الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
228
تفسير روح البيان
أيضا من الأقطار الشاسعة حتى أنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من أهله والمعنى وارزق المؤمنين خاصة قالَ اللّه تعالى وَمَنْ كَفَرَ معطوف على محذوف اى ارزق من آمن ومن كفر قاس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الإمامة حيث سأل الرزق لأجل المؤمنين خاصة كما خص اللّه تعالى الإمامة بهم في قوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فلما رد سؤاله الإمامة في حق ذريته على الإطلاق حسب أن يرد سؤاله الرزق في حق أهل مكة على الإطلاق فلذلك قيد بالايمان تأدبا بالسؤال الأول فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم فَأُمَتِّعُهُ اى أمد له ليتناول من لذات الدنيا اثباتا للحجة عليه قَلِيلًا اى تمتيعا قليلا فان الدنيا بكليتها قليلة وما يتمتع الكافر به منها قليل من القليل فان نعمته تعالى في الدنيا وان كانت كثيرة بإضافة بعضها إلى بعض فإنها قليلة بإضافتها إلى نعمة الآخرة وكيف لا يقل ما يتناهى بالإضافة إلى ما لا يتناهى فقليلا صفة مصدر محذوف ويجوز ان يكون صفة ظرف محذوف اى أمتعة زمانا قليلا وهو مدة حياته ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ الاضطرار في اللغة حمل الإنسان على ما يضره وهو في المتعارف حمل الإنسان بكفره على أن يفعل ما أكره عليه باختياره ترجيحا لكونه أهون الضررين فلا شئ أشد من عذاب النار حتى يكره الكفار به ليختاروا عذاب النار لكونه أهون منه فلا يكون اضطرارهم إلى عذاب النار مستعملا في معناه العرفي فهو مستعار للزهم والصاقهم به بحيث يتعذر عليهم التخلص منه كما قال تعالى يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ فإنه صريح في أن لا مدخل لهم في لحوق عذاب الآخرة بهم ولا اختيار الا انهم سموا مضطرين اليه مختارين إياه على كره تشبيها لهم بالمضطر الذي لا يملك الامتناع عما اضطر اليه فالمعنى الزه اليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم بحيث لا يمكنه الامتناع منه وَبِئْسَ الْمَصِيرُ المخصوص بالذم محذوف اى بئس المرجع الذي يرجع اليه للإقامة فيه النار أو عذابها فللعبد في هذه الدنيا الفانية الامهال أياما دون الإهمال إذ كل نفس تجزى بما كسبت ولا تغرنك الزخارف الدنيوية فان للمطيع والعاصي نصيبا منها وليس ذلك من موجبات الرفعة في الآخرة : قال الحافظ بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو * ترا كه گفت كه آن زال ترك دستان گفت قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال سهل في معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا * وقال أبو العباس بن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة فعلى العاقل ان لا يغتر بالزخارف الدنيوية بل لا يفرح بشئ سوى اللّه تعالى فان ما خلا اللّه باطل وزائل والاغترار بالزائل الفاني ليس من قضية كمال العقل والفهم والعرفان * فان قلت ما الحكمة في امهال اللّه العصاة في الدنيا * قيل إن اللّه تعالى أمهل عباده ولم يأخذهم بغتة في الدنيا ليرى العباد سبحانه وتعالى ان العفو والإحسان أحب اليه من الاخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه ولهذا خلق النار كرجل يضيف الناس ويقول من جاء إلى ضيافتى أكرمته